ملا محمد مهدي النراقي
303
جامع السعادات
ينقلب القلب في اختلاف الحالات ، وبحسب كل حالة منها يستعد للمكاشفة بأمر يناسب تلك الحالة ، ويمتنع أن يكون حال المستمع واحدا والمسموع مختلفا ، إذ فيه كلام راض وكلام غضبان ، وكلام منعم ، وكلام منتقم ، وكلام جبار متكبر لا يبالي ، وكلام منان متعطف لا يهمل . المقصد الخامس الصوم إعلم أن الصوم أجره عظيم ، وثوابه جسيم ، وما يدل على فضله من الآيات والأخبار أكثر من أن تحصى ، وهي معروفة مشهورة فلا حاجة إلى ذكرها ، فلنشر إلى ما يتعلق به من الأمور الباطنة : فصل ما ينبغي للصائم ينبغي للصائم أن يغض بصره عن كل ما يحرم النظر إليه ، أو يكرهه ، أو يشغل القلب ويلهيه عن ذكر الله تعالى ، ويحفظ اللسان عن جميع آفاته المتقدمة ، ويكف السمع عن كل ما يحرم أو يكره استماعه ، ويكف بطنه عن الحرام والشبهات ، ويكف سائر جوارحه عن المكاره . وقد ورد في اشتراط جميع ذلك في الصوم في ترتب كمال الثواب عليه أخبار كثيرة . وينبغي أيضا ألا يستكثر من الحلال وقت الافطار بحيث يمتلئ ، إذ ما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن ملئ من حلال ، كيف والسر في شرع الصوم قهر عدو الله وكسر الشهوة والهوى ، لتتقوى النفس على التقوى ، وترتقي من حضيض وحظوظ النفس البهيمية إلى ذروة التشبيه بالملائكة الروحانية ، وكيف يحصل ذلك إذا تدارك الصائم عند الافطار ما فاته ضحوة نهاره ، لا سيما إذا زيد عليه في ألوان الطعام ، كما استمرت العادات في هذه الأعصار ، وربما يؤكل من الأطعمة في شهر رمضان ما لا يؤكل في عدة شهور . ولا ريب في أن المعدة إذا خليت من ضحوة النهار إلى العشاء ، حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ، ثم أطعمت من اللذات ، وأشبعت من ألوان المطاعم ، وجمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما يأكل ليلا ، وأكل جميع في الليل مرة أو مرتين أو أكثر زادت لذتها ، وتضاعفت قوتها ، وابعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة